العودة للخلف

(الحادي عشر) أقسام الناس في رمضان

تاريخ النشر: 21 / 02 / 2026
: 5

أقسام الناس في رمضان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فقد أوجب الله تعالى على مَن حضرَ الشهر أنْ يصومَه.

ولكن الناس في الصيام على عشرة أقسام([1]):

القسم الأول: المُسلِمُ البالغُ العاقلُ المقيمُ القادر السالمُ من الموانعِ، فهذا يجبُ عليه صومُ رمضانَ أدَاءً في وقتِه، بالنص والإجماع. قال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وقال النبيُّ : «إذا رأيتمُ الهلَالَ فصُوموا»، متفق عليه([2]). وأجمع المسلمونَ على وُجوبِ الصيامِ أداءً على مَنْ ذُكر.

وأمَّا الكافرُ فلا يصِحُّ منه الصَّوم، وإذَا أسْلمَ في أثْناءِ شهرِ رمضانَ لم يلزمْه قضاءُ الأيام الماضية، لقولِه تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38]. وإنْ أسْلمَ في أثَناءِ يوم من رمضان فيلزمه إمساكُ بقيِّة اليَومِ لأنَّه صار من أهلْ الوجوبِ حين إسلامِهِ ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يكن من أهل الوجوب حينَ وقْت وجوبِ الإِمسَاكِ.

القسم الثانـي: الصغيرُ فلا يجب عليه الصيامُ حتى يبلُغَ لقول النبيِّ ([3]): «رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقِظَ وعن الصغير حتى يكْبُرَ وعن المجنونِ حتى يفيقَ».

ويُشرع لوليِّه أنْ يأمرَه بالصَّومِ إِذَا أطاقه تمريناً لَهُ على الطاعة ليألفَهَا بعْدَ بلوغِهِ اقتداءً بالسلفِ الصالح رضي الله عنهم. فقد كان الصحابةُ رضي الله عنه «يُصَوِّمُون أولادَهم وهُم صِغارٌ ويجعلون لهم اللُّعْبةَ من الْعِهنِ (يعني الصوف أو نحوَه) فإذا بكَوا من فقْدِ الطعامِ أعطوهُم اللعبة يتَلهَّوْن بها»([4]).

وكثيرٌ من الأولياءِ اليومَ يغْفُلونَ عن هذا الأمْرِ ولا يأمرونَ أولادَهم بالصيام، بلْ إنَّ بعْضَهم يمنعُ أولادَه من الصيامِ مع رغْبَتهم فيه يَزعُم أنَّ ذلك رحمةً بهم. والحقيقةُ أنَّ رحْمَتهمْ هي القيامُ بواجب تربيتهم على شعائر الإِسلام وتعالِيْمهِ القَيِّمةِ. فمنْ مَنعهم مِن ذلك أوْ فرَّط فيه كان ظالماً لهم ولِنَفْسه أيضاً .. نعَمْ إنْ صَاموا فَرأى عليهم ضَررًا بالصيامِ فلا حرجَ عليه في منعهم منه حِيْنِئذٍ.

ومتى بلغ الصغير لَحِقَ بالقسم الأول في الحكم.

ويَحْصل بُلوغُ الذَّكَر بواحدٍ من أمور ثلاثةٍ: إِنزالُ المَنيِّ باحتلامٍ أو غيرهِ، ونبَاتُ شَعرِ العَانةِ وهو الشَّعْر الْخشِنُ ينْبُت حوْلَ الْقُبلِ، وبلوغُ تمامِ خَمْسَ عَشْرةَ سنةً. ويحصل بلوغُ الأُنثى بما ذكر، وأيضًا بالحيضُ.

وإذا حصل بلوغُ الصبي أثْنَاء نهار رمضانَ فإنْ كان منْ بَلغ صائماً أتمَّ صومَه ولَا قضاء عليه، وإن كان مفطرًا لَزمه إِمساكُ بقيةِ يوْمهِ لأنه صار مِنْ أهل الوجوبِ، ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يكن من أهلِ الوجوبِ حين وُجوبِ الإِمساكِ.

القسمُ الثالثُ: المجنونُ وهو فاقِدُ العقلِ فلا يجبُ عليه الصيامُ، بالنص والإجماع.

فإنْ كان يجنُّ أحياناً ويُفيقُ أحياناً لزمه الصيام في حالِ إفاقتهِ دون حالِ جنونِه، وإنْ جُنَّ في أثناءِ النهارِ لم يبطُل صومُه كما لو أغمي عليه بمرضٍ أو غيره لأنَّه نوى الصومَ وهو عاقلٌ بنيَّةٍ صحيحةٍ. ولا دليل على البطلانِ خصوصاً إذا كان معلوماً أنَّ الجنونَ ينْتَابُه في ساعاتٍ مُعيَّنةٍ. وعلى هذا فلا يلزمُ قضاءُ الْيَوْم الَّذِي حصل فيه الجُنونُ. وإذا أفَاق المجنونُ أثناء نهار رمضانَ لزمه إمْسَاكُ بقيَّةِ يومِهِ، لأنَّه صار من أهلِ الوجوب، ولا يلزمُهُ قضاؤهُ كالصبيِّ إذا بلَغَ والكافرِ إذا أسْلَمَ.

القسمُ الرابعُ: الْهَرِمُ الَّذِي بلَغَ الهذَيَان وسقَط تَميِيزُه فلا يجبُ عليه الصيامُ ولا الإِطعام عنه لسُقوطِ التكليف عنه بزَوال تمييزهِ فأشْبهَ الصَّبيَّ قبل التمييزِ. فإنْ كانَ يميّزُ أحياناً ويهذي أحياناً وجب عليه الصوم في حال تمييزه دونَ حالِ هذَيانِه. والصلاةُ كالصومِ لا تلزمه حال هذيانه وتلزمه حالَ تمييزِه.

القسمُ الخامسُ: العاجزُ عن الصِّيام عجْزًا مستَمِرًا لا يُرجَى زوالُه، كالكبيرِ والمريض مرضاً لا يُرْجى برؤه، فلا يجب عليه الصيامُ لقوله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا [البقرة:286]. لكن يجب عليه أن يُطعمَ بدلَ الصيامِ عنْ كلِّ يومٍ مسكيناً لأنَّ الله سبحانَه جَعَل الإِطعامَ مُعَادلًا للصيامِ حينَ كان التخييرُ بينهُما أوَّلَ ما فُرِضَ الصيامُ فتعيَّن أنْ يكون بدلًا عن الصيامِ عند العَجزِ عنه.

القسمُ السادسُ: المسافر. فإذا قَصَد بسفره الفطر فالفطرُ عليه حرامٌ ويجب عليه الصيامُ. وإذا لَمْ يقصد التَّحيُّلَ: فهو مخيَّرٌ بين الصيام والفطر، والأفضل للمسافر فعلُ الأسهلِ عليه من الصيام والْفِطرِ، فإنْ تساويَا فالصَّومُ أفضلُ لأنَه أسْرعُ في إبراء ذمته وأنشط له إذا صامَ معَ الناسِ، وقد صام النبيُّ في السفر وأفطر([5]).

ولا يفطر بمجرَّد العزم على السفر ولو حجَزَ تذْكرَتَه، لأنَّ المسافر لا يكون مسافرًا بالنية إنَّما يكون مسافرًا بالعمل والسفر، وهذا مجمع عليه.

وإذا سافر الصائمُ في أثناء اليوم وشقَّ عليه إكْمالُ صومِهِ جاز له الفطرُ إذا خَرجَ من بلدِه. وإذا قدِم المسافرُ إلى بلدِه نهارًا مفطِرًا لم يلزمه الإمساك، وإذا خشي إساءة الظن به لم يُعْلِنُ أكلَه. وأما إذا قدم المسافرُ صائمًا فيجب إتمام صومه ولا يَحلّ له الفطر لانعدام سبب الرخصة.

القسمُ السَّابعُ: المِريضُ الَّذِي يُرجَى برؤُه: إنْ لم يشقّ عليه الصومُ ولم يَضُرّه، فيجبُ عليه الصومُ لأنه ليس له عُذْرٌ يُبِيح الْفِطْرَ. وإنْ شقَّ عليه الصومُ ولكنه لا يضُرُّه، فالأفضل أن يفطرُ لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 185]. وإنْ كان يتضرّرُ بالصوم فيجبُ عليه الْفطرُ ولا يجوزُ له الصومُ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء: 29]، ولقولِه: «لا ضَررَ ولا ضرار»([6]).

وإذا ثبت بالطِّبِّ أنَّ الصومَ يجلِبُ المرَضَ أو يؤخِّر البُرءَ جاز له الفطرُ محافظةً على صِحَّتِه واتقاءً للمرض.

القسمُ الثامنُ: الحائضُ والنفساء فيحرمُ عليهما الصيامُ، وعليهما القضاء. وإذا ظَهَرَ الحيضُ منها وهي صائمةٌ ولو قبلَ الغروبِ بلحْظَةٍ بَطلَ صومُ يومِها ولزِمَها قضاؤه، وإذا طهُرتْ من الحيضِ في أثناءِ نهار رمضانَ لم يلزمْها الإمساك بقية اليوم. وإذا طهرتْ في الليل في رمضان ولو قبْل الفجرِ بلحظة وجب عليها الصومُ، وإنْ لم تَغْتَسل إلَّا بعد طلوعِ الفجر كالجُنبِ يصوم ولا يغْتسِل إلا بعدَ طلوعِ الْفجرِ فإنَّه يصحُّ صومُه.

القسمُ التاسعُ: الحامل والمرضع إذا خافتْ على نفسِها أو على ولدها من الصَّوم فإنها تفطرُ لحديث أنسِ بن مالك الْكعِبي رضي الله عنه أن رسولُ الله قال: «إنَّ الله وضَع عن الحامل والمرضع الصومَ»([7]).

القسمُ العاشرُ: مَن احتاج للْفطرِ كمن تعيَّن عليه إنقاذ معصوم مِن غرق أو حَرق ونحو ذلك وتوقف ذلك على الفطر فله الفطر، ويقضي يومًا.

والله تعالى أعلم.

ونسأل الله تعالى أن يفقِّهنا في الدِّين، وأنْ يرزقنا العلْمَ النافع، والعمل به.

والحمد لله رب العالمين.



([1]) انظر: مجالس رمضان للعلامة ابن عثيمين رحمه الله، المجالس (6 -8).

([2]) البخاري 1907 ، ومسلم 1080 عن ابن عمر رضي الله عنهما.

([3]) مسند أحمد (2/ 245، 266، 444) و (41/ 224) وهو حديث حسن، قال شيخ الإسلام: رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة رضي الله عنهما، واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول».مجموع الفتاوى (11/ 191)، وانظر: الجامع الصحيح 3/ 576.

([4]) البخاري 1960 ، ومسلم 1136 ، عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها.

([5]) انظر: صحيح مسلم رقم 1122 ، ورقم 1114 .

([6]) مسند أحمد 5/ 55 ، إرواء الغليل 3/ 408، الصحيحة 250، جامع العلوم حديث (32).

([7]) مسند أحمد 19047، سنن النسائي 2272، جامع الترمذي 715، سنن ابن ماجه 1667، وهو في الجامع الصحيح 1136 ، صحيح أبي داود 2083 غراس.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح